محمد بن جرير الطبري
77
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
عفان ، قال : ثنا حماد بن زيد ، قال : ثنا زيد ، عن ثابت ، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى : وَلا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلا ذِلَّةٌ قال : بعض نطرهم إلى ربهم . حدثني المثني ، قال : ثنا الحجاج ومعلى بن أسد ، قالا : ثنا حماد بن زيد ، عن ثابت ، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى ، بنحوه . حدثنا قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن عطاء الخراساني ، عن ابن عباس ، قوله : وَلا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ قال : سواد الوجوه . القول في تأويل قوله تعالى : وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئاتِ جَزاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ يقول تعالى ذكره : والذين عملوا السيئات في الدنيا ، فعصوا الله فيها ، وكفروا به وبرسوله ، جزاء سيئة من عمله السيئ الذي عمله في الدنيا بمثلها من عقاب الله في الآخرة . وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ يقول : وتغشاهم ذلة وهوان بعقاب الله إياهم . ما لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عاصِمٍ يقول : ما لهم من الله من مانع يمنعهم إذا عاقبهم يحول بينه وبينهم . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني المثني ، قال : ثنا عبد الله بن صالح ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس ، قوله : وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ قال : تغشاهم ذلة وشدة . واختلف أهل العربية في الرافع للجزاء ، فقال بعض نحويي الكوفة : رفع بإضمار " لهم " ، كأنه قيل : ولهم جزاء السيئة بمثلها ، كما قال : فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ والمعنى : فعليه صيام ثلاثة أيام . قال : وإن شئت رفعت الجزاء بالباء في قوله : وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها وقال بعض نحويي البصرة : الجزاء مرفوع بالابتداء : وخبره بمثلها . قال : ومعنى الكلام : جزاء سيئة مثلها ، وزيدت الياء كما زيدت في قوله : بحسبك قول السوء . وقد أنكر ذلك من قول بعضهم فقال : يجوز أن تكون الباء في " حسب " زائدة ، لأَن التأويل : إن قلت السوء فهو حسبك ، فلما لم تدخل في الجزاء أدخلت في حسب بحسبك أن تقوم إن قمت فهو حسبك ، فإن مدح ما بعد حسب أدخلت الباء فيما بعدها كقولك : حسبك بزيد ، ولا يجوز : بحسبك زيد ، لأَن زيدا الممدوح فليس بتأويل جزاء . وأولى الأَقوال في ذلك بالصواب أن يكون الجزاء مرفوعا بإضمار بمعنى : فلهم جزاء سيئة بمثلها ؛ لأَن الله قال في الآية التي قبلها : لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ فوصف ما أعد لأَوليائه ، ثم عقب ذلك بالخبر عما أعد الله لأَعدائه ، فأشبه بالكلام أن يقال : وللذين كسبوا السيئات جزاء سيئة . وإذا وجه ذلك إلى هذا المعنى كانت الياء للجزاء . القول في تأويل قوله تعالى : كَأَنَّما أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعاً مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِماً يقول تعالى ذكره : كأنما ألبست وجوه هؤلاء الذين كسبوا السيئات قطعا من الليل ، وهي جمع قطعة . وكان قتادة يقول في تأويل ذلك ، ما : حدثنا به محمد بن عبد الأَعلى ، قال : ثنا محمد بن ثور ، عن معمر عن قتادة : كَأَنَّما أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعاً مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِماً قال : ظلمة من الليل . واختلفت القراء في قراءة قوله تعالى : قِطَعاً فقرأته عامة قراء الأَمصار : قِطَعاً بفتح الطاء على معنى جمع قطعة ، وعلى معنى أن تأويل ذلك : كأنما أغشيت وجه كل إنسان منهم قطعة من سواد الليل ، ثم جمع ذلك فقيل : كأنما أغشيت وجوههم قطعا من سواد ، إذ جمع " الوجه " . وقرأه بعض متأخري القراء : " قطعا " بسكون الطاء ، بمعنى : كأنما أغشيت وجوههم سوادا من الليل ، وبقية من الليل ، ساعة منه ، كما قال : فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ أي ببقية قد بقيت منه ، ويعتل لتصحيح قراءته ذلك كذلك أنه في مصحف أبي : " ويغشى وجوههم قطع من الليل مظلم " . والقراءة التي لا يجوز خلافها عندي قراءة ذلك بفتح الطاء ، لإِجماع الحجة من قراء الأَمصار على تصويبها